الشيخ حسن أيوب
94
الحديث في علوم القرآن والحديث
القرآن ومعانيه ومقاصده الآن وقد انتهينا من الكلام على أول المتضايفين في لفظ ( ترجمة القرآن ) ، نقف معك وقفة أخرى بجانب ثاني هذين المتضايفين في لفظ القرآن الكريم نفسه لتستبين المراد به هنا ، ولتعرف أنواع معانيه ومقاصده تمهيدا للحكم الصحيح عليه بأنه تمكن ترجمته أو لا تمكن . معاني القرآن نوعان : وبما أن الترجمة ملحوظ فيها الإحاطة بمعاني الأصل كلها ، نحيطك علما بأن القرآن الكريم ، بل أي كلام بليغ ، لا بد أن يحتوي ضربين من المعاني هما المعاني الأولية والمعاني الثانوية ، أو المعاني الأصلية والمعاني التابعة ، فالمعنى الأوّلي لأيّ كلام بليغ هو ما يستفاد من هذا الكلام ومن أي صيغة تؤديه سواه ، ولو بلغة أخرى كمجرد إسناد محكوم به إلى محكوم عليه . وسمّي معنى أوّليّا ؛ لأنه أول ما يفهم من اللفظ . وسمّي أصليّا ؛ لأنه ثابت ثبات الأصول ، لا يختلف باختلاف المتكلمين ولا المخاطبين ولا لغات التخاطب ، بل هو مما يستوي فيه العربي والعجمي والحضري والبدوي والذكي والغبي . أما المعنى الثانوي فهو ما يستفاد من الكلام زائدا عن معناه الأوّلي ، وسمّي ثانويّا ؛ لأنه متأخر في فهمه عن ذلك . والكلام البليغ يتفاوت تفاوتا بعيد المدى ، تبعا لدرجة توافر هذه الزوائد فيه كلّا أو بعضا ، ولم تعرف الدنيا ولن تعرف كلاما بلغ الطرف الأعلى والنهاية العظمى في الإحاطة بكل الخواص البلاغية ، سوى القرآن الكريم ، الذي انقطعت دونه أعناق الفحول من البلغاء ، وانبهرت في حلبته أنفاس الموهوبين من الفصحاء ، حتى شهدوا على أنفسهم بالعجز حين شاهدوا روائع الإعجاز ، ورأوا أن كلامهم وإن علا فهو من الخلق أما القرآن فهو من الخلّاق !